محمود محمود الغراب

117

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر

واللمحات الأفقية ، وأودع كل فلك روحانية كوكبية ، تحتوي على خاصية ، وعند وجودها خلق الأرض والماء والهواء والأثير ، ثم أوجد فيها منها دائرة الزمهرير ، ثم أجرى الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ، وخص كل متكون من هذه الأجزاء بسر من مكنون سره ، فظهرت المعادن في أعيانها ، وتخلصت بكرور أزمانها ، فإذا كان اللّه تعالى مع قدرته ، ونفوذ إرادته ، وقوة علمه ، لم يوجد شيئا من هذه المعادن إلا بعد خلق هذه الأدوات ، وأجرام هذه المسخرات ، فكيف تطمع أنت أيها الملك أن تكون فعالا لهذه الحكمة مع عدم هذه الأدوات ، وتحصيل هذه الآلات ؟ فإن قدرتك قاصرة ، وصفقتك إن لم تحصل هذه الأدوات خاسرة ، وما فعل اللّه شيئا من هذه الأدوات ، وقدّم لهذه المقدمات آلات ، مع غناه عنها ، إلا لحكمة علمها من علمها ، وجهلها من جهلها - فقال الملك : فكيف السبيل إلى تحصيل هذه الأدوات ، وتركيب هذه المقدمات ؟ فقال الحكيم : أيها الملك ألست ساكنا تحت خط الاستواء ، وأنت من أهل السواء ؟ فقال الملك : بلى ؛ فقال الحكيم : من أراد أن يعرف أصل نشأة العالم وترتيب هيئته ، من خط الاستواء يعرفه ، فقال الملك : فكيف أصنع ، فإني لا أجد في نفسي قوة تصور هذه الأسباب والمقدمات ، وإيجاد هذه التأليفات والتركيبات ؟ فقال الحكيم : إن اللّه سبحانه وتعالى قد منحني القوة على بناء ما يماثلها ، وإقامة ما يشاكلها ، ووهبني أسرار كيفياتها ، وكمياتها وحركاتها ، ولي أصحاب من الحكماء ، أهل الفطنة والذكاء ، أشد بهم أزري ، وأحكم بمشاورتهم ورأيهم أمري ، لينقضي غرض المولى ، وتقوم له هذه الروحانيات العلا ؛ فسر الملك بما قاله الحكيم ، وزال عنه ما كان أحاط به من الهموم ، وقام الحكيم ، فاخترق مخاريق هذا الجبل العظيم ، ينظر فيه أين نقطة دائرة المركز التي تقوم عليه النشأة ، ويترتب عليه نظام الهيئة ، فرأى الرياح والبخارات التي تتخلل من مسام ذلك الجبل ، فتصير كالدائرة تتحرك في موضعها ، ولا يتعدى إلى غير مهيعها ، فأعمل الحيلة ، حتى روض ذاته ، فالتحق بالأطيار ، وسوى جناحيه وطار ، واخترق معظم تلك الرياح محلقا في جوها ، ينزل بنزولها ، ويسمو بسموها ، إلى أن انتهى إلى موضع لا يتعدى النازل فيه على الصاعد ، ولا الصاعد على النازل ، فقال الحكيم : اللّه أكبر ، قام الملك وظهر ، فإذا بذلك المركز المعقول ، أرض ذات أشجار ويقول ، فأدار عليها الماء فدار ، وأدار عليها الهواء فصفق النسر بجناحيه فيه وطار ، وأدار به دائرة الزمهرير ، وحلق به الفلك